
صار مشهداً مألوفاً في كثير من الأحياء: فيلا واحدة تتحوّل فجأة إلى ست أو سبع وحدات تأجيرية، أو عمارة قديمة يُعاد تقسيم شققها إلى «غرف» صغيرة تُؤجَّر بشكل منفصل.
الفكرة تبدو مغرية للمالك: مساحة واحدة تتحوّل إلى عدة إيجارات، والعائد يتضاعف على الورق. لكن خلف هذا «الربح السريع» تختبئ مخاطر حقيقية على السلامة، وغرامات قد تصل إلى مئتي ألف ريال سعودي، ومسؤولية قانونية قد تلاحق المالك والمستأجر معاً. في هذا الدليل نفكّك الموضوع بالكامل: السلبيات، المخاطر الإنشائية، الغرامات، طريقة البلاغ، ثم الطريق النظامي الصحيح لمن يريد أن يقسّم فعلاً.
القاعدة الذهبية
التقسيم ليس ممنوعاً في ذاته — الممنوع هو التقسيم بدون ترخيص. الفرق بين استثمارٍ رابح ومخالفةٍ مكلفة هو ورقة واحدة: رخصة نظامية مبنية على مخطط هندسي معتمد. من يبدأ بالكسر قبل الرخصة، يبدأ بالخسارة.
أولاً: السلبيات العامة.. لماذا التقسيم العشوائي مشكلة؟
قبل الحديث عن الغرامات، لا بد أن نفهم لماذا تتصدى الجهات لهذه الظاهرة. المشكلة ليست شكلية، بل تمسّ سلامة الناس وجودة الحياة في الحي بأكمله:
1. الأحمال والخدمات المشتركة: كهرباء ومياه على حافة الخطر
نظاماً، كل وحدة سكنية مستقلة يجب أن يكون لها عدّاد كهرباء وعدّاد مياه منفصل — بل إن شركة الكهرباء تعامل كل عدّاد كاشتراك مستقل حتى لو كانت الوحدات باسم مالك واحد. لكن في التقسيم العشوائي يحدث العكس تماماً: عدّاد واحد وشبكة واحدة صُمّمت لأسرة واحدة، تُحمّل فجأة على خمس أو ست أسر.
النتيجة؟ أسلاك مُحمّلة فوق طاقتها (خطر حرائق حقيقي)، انقطاعات متكررة، ضغط مياه ضعيف، ونزاعات لا تنتهي بين السكان حول تقسيم الفواتير. البنية التحتية للحي نفسها — من صرف صحي وخدمات بلدية — تتحمّل عبئاً لم تُصمَّم له.

ثانياً: الخطر الأكبر.. حين يهدد التقسيم سلامة المبنى نفسه
هنا تكمن أخطر نقطة على الإطلاق. لتقسيم المساحة، يلجأ البعض إلى كسر جدارٍ حامل أو تعديل عمودٍ إنشائي — خصوصاً في العمائر القديمة. هذه الأعمدة والجدران الحاملة ليست «حيطان عادية»، بل هي التي تنقل أحمال المبنى بالكامل إلى الأساسات. أي عبثٍ بها يخلّ بتوزيع الأحمال، ويحوّل المبنى تدريجياً إلى منشأة آيلة للسقوط تهدد أرواح ساكنيها والجيران.
تحذير إنشائي
وزارة البلديات والإسكان أصدرت «دليل تقييم ومعالجة المباني الآيلة للسقوط» كمرجع فني لرصد الخطر الإنشائي. والمالك يتحمّل مسؤولية قانونية كاملة عن أي ضرر ينتج عن مبناه — فكسر عمود لتوسعة غرفة قد يتحوّل إلى كارثة ومساءلة.

والأخطر أن هذا الضرر قد يكون غير قابل للإصلاح؛ فبعض التعديلات لا يمكن إزالتها دون التأثير على سلامة المبنى، ما يضع المالك أمام كلفة مضاعفة سنراها في قسم الغرامات.
ثالثاً: الغرامات والأنظمة.. كم يكلّفك التقسيم غير المرخّص؟
في أكتوبر 2025 حدّثت وزارة البلديات والإسكان لائحة الجزاءات وأضافت مخالفة صريحة باسم «تقسيم المبنى إلى وحدات مخالفة لرخصة البناء». وإليك ما يترتب عليها:
ولإدراك جدية التطبيق: نفّذت أمانة منطقة الرياض وحدها حملة شملت 134 جولة رقابية في نطاق 15 بلدية فرعية، وأصدرت إشعارات مخالفة في جميع المواقع التي زارتها — بما فيها فلل وملاحق علوية حُوّلت إلى وحدات تأجيرية.
رابعاً: الجهة الرقابية وكيف تُبلّغ عن مخالفة؟
الجهة المشرفة هي أمانات المناطق التابعة لوزارة البلديات والإسكان، التي تنفّذ جولات ميدانية مستمرة وتعتمد أيضاً على بلاغات الأفراد. إذا رصدت مخالفة تقسيم في مبنى مجاور، البلاغ سهل ومباشر:
- عبر تطبيق «بلدي» — خدمة تقديم بلاغ.
- عبر الاتصال بالرقم الموحد 940.
الوزارة تعتبر بلاغات المواطنين والمقيمين رافداً أساسياً لدعم الرقابة وتحقيق بيئة سكنية آمنة.

خامساً: وضع المستأجر.. ماذا يعني أن تسكن وحدة مقسّمة؟
كثيرون يظنون أن المخالفة تخصّ المالك وحده، لكن المستأجر يقع في دائرة الخطر أيضاً:
- لا حماية نظامية كاملة: العقد على وحدة غير مرخّصة يضعك في موقف قانوني هشّ عند أي نزاع.
- خطر الإخلاء المفاجئ: عند ضبط المخالفة وإلزام المالك بالإزالة، قد تجد نفسك مطالَباً بإخلاء السكن.
- مخاطر السلامة على حياتك: أنت من يسكن فعلياً في مبنى قد يكون مهدداً إنشائياً، أو مُعرّضاً لأعطال كهربائية بسبب الأحمال الزائدة.
- مشمول بالمساءلة: آلية الضبط تشمل المستأجر ضمن الأطراف ذات العلاقة.
النصيحة العملية للمستأجر: قبل التوقيع، تأكّد أن الوحدة مرخّصة، وأن لها عدّاداتها المستقلة، وأن عددها مطابق لرخصة البناء.
سادساً: الطريق النظامي الصحيح.. كيف يقسّم المالك وحداته قانونياً؟
الخبر الجيد: التقسيم مسموح ومربح إذا تمّ نظامياً عبر ما يُعرف بـ«فرز الوحدات العقارية». هذه هي الخطوات الصحيحة بالترتيب:
خارطة الطريق النظامية
- ابدأ بمكتب هندسي معتمد: لا تكسر أي شيء قبل الرخصة. المكتب الهندسي يدرس المبنى ويُعدّ مخططاً يوضّح عدد الوحدات ومساحاتها واستخداماتها، ويتأكد أن السلامة الإنشائية غير متأثرة.
- عدّل رخصة البناء عبر منصة «بلدي»: الدخول عبر النفاذ الوطني، ثم «خدمات الرخص الإنشائية» لإصدار رخصة تعديل/تصحيح وضع المبنى، باختيار المكتب الهندسي المعتمد من القائمة.
- حقّق استقلالية الخدمات لكل وحدة: عدّاد كهرباء مستقل + عدّاد مياه مستقل + فصل التمديدات، مع توفير مواقف سيارات كافية لكل وحدة والالتزام باشتراطات الأمن والسلامة.
- قدّم طلب الفرز: عبر منصة «فرز الوحدات العقارية» التابعة للهيئة العامة للعقار، ويتم من خلال مكتب هندسي معتمد، مع إرفاق صك الملكية والهوية ورخصة البناء وشهادة إتمام البناء.
- استلم الصكوك المستقلة: بعد اعتماد المخطط، يصدر لكل وحدة صك ملكية مستقل، فتصبح قابلة للبيع أو الرهن أو التأجير بشكل نظامي وآمن.
الشروط الأساسية للقبول: صك ملكية ساري وخالٍ من النزاعات، رخصة بناء سارية ومطابقة للواقع، مخططات معتمدة من مكتب مرخّص، وعدّاد كهرباء مستقل لكل وحدة. وتستغرق المشاريع الكبيرة عادةً بين 6 و12 شهراً حسب اكتمال الأوراق وسرعة الاستجابة.

الخلاصة في جملة
الفارق بين مالكٍ يربح من الفرز النظامي، ومالكٍ يخسر تحت طائلة غرامة تصل لمئتي ألف ريال، هو قرارٌ واحد: أن يبدأ من المكتب الهندسي، لا من المطرقة.
الأسئلة الشائعة
هل تقسيم الفيلا إلى شقق ممنوع تماماً؟
لا. الممنوع هو التقسيم بدون ترخيص. أما الفرز النظامي عبر مكتب هندسي معتمد وتعديل رخصة البناء فمسموح ومربح، وينتهي بصكوك مستقلة لكل وحدة.
كم غرامة التقسيم غير المرخّص؟
من 5,000 إلى 25,000 ريال سعودي عن كل وحدة مخالفة، وقد تصل الغرامات في حالات التقسيم بغرض الاستثمار إلى 200,000 ريال سعودي، إضافة إلى الإلزام بالإزالة على نفقة المخالف.
كيف أبلّغ عن مبنى مقسّم بشكل مخالف؟
عبر تطبيق «بلدي» (خدمة تقديم بلاغ) أو بالاتصال على الرقم الموحد 940 التابع لوزارة البلديات والإسكان.
ما أول خطوة لو أردت التقسيم بشكل صحيح؟
التواصل مع مكتب هندسي معتمد قبل تنفيذ أي عمل إنشائي، لدراسة المبنى وإعداد المخطط وبدء إجراءات الرخصة والفرز نظامياً.
استثمر في عقارك بالطريقة الصحيحة
سواء كنت مالكاً تبحث عن الفرز النظامي، أو مستأجراً يريد وحدة موثّقة وآمنة — منصة رغدان تجمع لك الوحدات المرخّصة وأكثر من 15,000 وسيط عقاري مرخّص في مكانٍ واحد.
تصفّح رغدان الآن





