اعتدتم منا في هذه المدونة حديث العقار: أسعار وأحياء وصفقات ومؤشرات. لكننا اليوم نوقف كل ذلك عمداً، ونخرج عن السياق باختيارنا الكامل — لأن هناك وفاءً إذا تأخر صار تقصيراً. اليوم لا نكتب عن بيت يُشترى... نكتب عن الرجال الذين بسببهم — بعد فضل الله — يبقى لكل بيت في هذه البلاد معنى: الأمان.
وقبل كل حرف: الحمد لله أولاً وأخيراً، الذي ألبس هذه البلاد لباس الأمن والإيمان، ثم الشكر لمن سخّرهم الله جنوداً لهذا الوطن — في الميادين وعلى الثغور وخلف المكاتب — فكانوا الأسباب التي تجري بها نعمته علينا صباح مساء.
المعجزة الهادئة التي لا ننتبه لها
توقف لحظة وتأمل: نعيش في إقليم تشتعل أطرافه، وعلى جبهاتٍ لوطننا رباطٌ وتضحيات ليست سراً على أحد... ومع ذلك، ما الذي تغيّر في يومك أنت؟ لا شيء. أسواقنا عامرة، ومدارسنا تستقبل أطفالنا كل صباح، ومشاريعنا تكبر وتتوسع، وأعراسنا تقام، ومطاراتنا تعج بالمسافرين، وأنت تقرأ الآن مقالاً عن الامتنان في جوالك مطمئناً كأن الدنيا كلها بخير.
هذه ليست مصادفة. هذه معجزة هادئة تُصنع كل ليلة — يصنعها بعد الله رجالٌ اختاروا أن يسهروا لننام، وأن يبردوا على الثغور لندفأ في بيوتنا، وأن يبتعدوا عن أطفالهم ليبقى أطفالنا بين أيدينا. الأمن الذي نتنفسه كالهواء: لا ننتبه له لأنه موجود... ولا يعرف قيمته إلا من فقده. وهذا المقال كله وقفة انتباه، ورسالة شكر متأخرة لا نملك غيرها.
إلى المرابط الذي ترك بيته ليحمي بيوتنا
هناك، على ثغرٍ من ثغور هذا الوطن، يقف الآن رجل لا نعرف اسمه ولن نعرفه. ترك زوجته تدير البيت وحدها منذ شهور، وترك طفلاً يسأل أمه كل ليلة: "متى يرجع أبوي؟". يكلمهم بالفيديو حين تسمح له المهمة — يطمئنهم وهو الأحق بالطمأنة، ويضحك لطفله من قلب الميدان ليقنعه أن كل شيء بخير، ثم يغلق الاتصال ويعود إلى موقعه تحت شمس تلهب أو بردٍ يقطع.
أيها المرابط: نحن الذين نعرّس ونحتفل ونفتتح المشاريع ونتنقل بين المدن آمنين — كلنا ضيوف على سهرك. راتبك يصرف من الدولة، لكن فضلك لا توفيه خزائن الأرض. فمنا جميعاً، ومن كل بيت نام الليلة مطمئناً: شكراً... ثم شكراً... ثم شكراً.

شكراً لكل فرع... ولكل بزّة عسكرية
الشكر هنا لا يحتمل النسيان، فلنسمِّ الجميع واحداً واحداً:
شكراً لرجال القوات البرية الملكية السعودية — أصحاب الأرض الصلبة، الذين يمشون حيث يصعب المشي ويثبتون حيث يستحيل الثبات. وشكراً لصقور القوات الجوية الملكية السعودية — عيون الوطن في سمائه، الذين يختصرون بين الإقلاع والعودة مهماتٍ لو عرفنا تفاصيلها ما نمنا من الامتنان. وشكراً لرجال القوات البحرية الملكية السعودية — حراس شواطئنا وممراتنا في عرض بحرين من أهم بحار الدنيا. وشكراً لرجال قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي — الدرع الصامت الذي يسقط عنا ما يُرمى به علينا ونحن لا نشعر أصلاً أن شيئاً رُمي. وشكراً لرجال قوات الصواريخ الاستراتيجية — الردع الذي يحفظ السلم بوجوده قبل استخدامه.
وشكراً لرجال الحرس الوطني — العريق الضارب جذوره في تاريخ هذه الدولة منذ تأسيسها، أحفاد الذين وحّدوا فحموا ما وحّدوا. وشكراً لرجال وزارة الداخلية جميعاً: قوات الأمن الساهرة في كل مدينة وقرية، ورجال حرس الحدود الموزعين على كل شبر من حدود مترامية براً وبحراً، يسهرون في نقاط نائية لا يمر بها أحد ليبقى أمننا لا يمر من خلاله أحد. وشكراً لرجال أمن الحرمين الشريفين وخدمة ضيوف الرحمن — الذين يحرسون أطهر بقاع الأرض ويخدمون ملايين الحجاج والمعتمرين بابتسامة لا تعرف التعب، في أعظم مسؤولية أمنية وإنسانية على وجه الأرض.

الشهداء... أشرف سطور هذا المقال
ثم نصل إلى الفقرة التي كتبنا المقال كله لأجلها، ونكتبها بإجلال من يمشي على أرضٍ اشتُريت بالدم:
هناك رجال خرجوا من بيوتهم كما يخرج المرابطون كل يوم... ولم يعودوا. قدّموا أغلى ما يملك الإنسان — أرواحهم — لتبقى أعلامنا مرفوعة وبيوتنا آمنة وأطفالنا في مدارسهم. أولئك هم شهداء الواجب، الذين نسأل الله العلي العظيم أن يتقبلهم في الصالحين، وأن يسكنهم الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسُن أولئك رفيقاً، وأن يجعل دماءهم الزكية نوراً لهم يوم يلقونه.
ونسأله سبحانه أن يعوض أسرهم خيراً في الدنيا قبل الآخرة: أن يربط على قلوب أمهاتهم وآبائهم، وأن يجبر زوجاتهم، وأن يتولى أبناءهم بحفظه فيكون لهم خيراً من كل راعٍ. ومما يثلج الصدر أن الوطن لم ينسَ — فوفاؤه لأسر شهدائه موثق معلن: إكرامية المليون ريال لأسرة الشهيد، وإسقاط ديونه، وراتب يستمر لوالديه، وتوظيف لأبنائه — بل إن أسماء شهداء الواجب زُيّنت بها قاعات الاختبارات في جازان، ليقرأ أبناء الجيل الجديد أسماء من دفعوا ثمن أقلامهم ودفاترهم. هذا وطن لا يرخص عنده الدم، ولا يُنسى فيه من بذله.

والجيش الذي لا يلبس البزّة: شكراً لمن خلف المكاتب
الوطن لا يُحمى بالبندقية وحدها. خلف كل جندي على الثغر منظومة كاملة تشتغل ليل نهار كي يقف هو هناك مرتاح البال مؤمَّن الظهر:
شكراً للمسؤولين في هذه الدولة بلا استثناء — من أعلى الهرم إلى كل مدير إدارة — الذين يحمل كل واحد منهم ملفاً لو أخطأ فيه لتغيرت حياتنا، فلا نسمع عنهم إلا حين تمضي الأمور بسلام... وهي تمضي بسلام كل يوم. وشكراً لرجال دبلوماسيتنا الساهرة — وزير خارجيتنا وسفراؤنا وفرق العمل في كل عاصمة من عواصم الدنيا: سفرٌ لا ينقطع واجتماعات لا تنتهي وملفات تدار بحكمة تحمي الوطن بلا طلقة واحدة. الدبلوماسي المرهق في مطارٍ بعيد عن أهله هو الآخر مرابط... لكن على ثغر من نوع آخر.
وشكراً للجيش الخفي خلف كل بزّة: وراء كل وزير جيشٌ من الموظفين، ووراء كل قائد غرف عمليات لا تنام — الأطباء والممرضون العسكريون الذين يرقعون ما تمزق، والمهندسون الذين يمهدون ويجهزون، والإداريون الذين يسيّرون الرواتب والإمدادات، والسائقون والفنيون والطباخون في المواقع النائية. كلهم جنود هذا الوطن وإن اختلفت أزياؤهم — والشكر يعمهم جميعاً بلا استثناء.
ومرابطون من نوع آخر: أسر جنودنا
وقبل الختام، شكرٌ خاص لمن يرابطون داخل البيوت: زوجة الجندي التي صارت أباً وأماً معاً لشهور، تدير البيت وتربي العيال وتخفي دمعتها في المكالمات كي لا يحمل همّها فوق همّ الميدان. وأم الجندي التي يسافر قلبها مع ابنها وتبقى يداها مرفوعتين في ثلث الليل الأخير. وأبناء الجنود الذين يكبرون على صورة أبٍ بطل يرونه أقل من غيرهم ويفخرون به أكثر من الجميع. أنتم شركاء الرباط وأهل الصبر — وصبركم عبادة لا يعلم أجرها إلا الله.

الأسئلة التي يجدر بنا جميعاً أن نسألها
لماذا خرجت مدونة عقارية عن تخصصها لتكتب هذا المقال؟
لأن كل ما نكتب عنه — البيوت والأحياء والمشاريع والصفقات — قائم على نعمة واحدة اسمها الأمن، وهذه النعمة بعد فضل الله يحرسها رجال على الثغور وخلف المكاتب. فالخروج عن السياق هنا هو عين الوفاء: لا معنى لحديث العقار في وطن بلا أمان، ولا أمان بلا هؤلاء الرجال.
من يشمل هذا الشكر؟
الجميع بلا استثناء: المرابطون على الثغور، وأفرع القوات المسلحة كلها — البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي والصواريخ الاستراتيجية — والحرس الوطني، ورجال الداخلية وقوات الأمن وحرس الحدود ورجال أمن الحرمين، والمسؤولون والدبلوماسيون وجيوش الموظفين خلف كل مكتب، والأطباء والمهندسون والإداريون العسكريون... وأسر الجنود المرابطة في البيوت.
كيف وفى الوطن لأسر شهداء الواجب؟
بوفاء موثق معلن تتناقله الصحف الرسمية: إكرامية مليون ريال لأسرة الشهيد، وإسقاط ديونه، وراتب مستمر لوالديه، وتوظيف لأبنائه — حتى إن أسماء شهداء الواجب زُيّنت بها قاعات الاختبارات في جازان ليبقى ذكرهم حياً في أجيال الوطن. رحمهم الله جميعاً وتقبلهم في الشهداء.
نحن المدنيين... كيف نشكر هؤلاء الرجال عملياً؟
بأشياء بسيطة في متناول الجميع: الدعاء لهم بظهر الغيب — فهو أصدق الشكر وأوصله — وكلمة امتنان لكل عسكري تقابله في مطار أو نقطة أو مناسبة، واحترام أنظمة هذا الوطن التي يسهرون لحمايتها، والوقوف مع أسر المرابطين والشهداء في محيطك بالسؤال والخدمة، وتعليم أطفالنا من هم أبطال هذه البلاد الحقيقيون.
لماذا لا نشعر بأثر ما يجري على الجبهات في حياتنا اليومية؟
هذا بالضبط جوهر المقال: "المعجزة الهادئة". أن تعيش حياتك كاملة — عملاً وسفراً واحتفالاً — في إقليم مضطرب وكأن شيئاً لا يحدث، فهذه أعلى درجات نجاح منظومة الدفاع والأمن بفضل الله. اللافت أن ننتبه ونشكر، لا أن نعتاد النعمة حتى ننساها.
هل هذا المقال سياسي؟
أبداً — لا يحلل ولا يعلق على أي شأن سياسي أو عسكري، ولا يخوض في تفاصيل أي عمليات. هو رسالة امتنان إنسانية خالصة من مواطنين ينامون آمنين إلى من يسهرون لأجلهم، وترحّم على أرواح طاهرة مضت، ودعاء لوطن وقيادة وجنود.
بماذا ندعو لهم؟
نسأل الله العلي العظيم أن يحفظ جنودنا في الميادين ويردهم لأهلهم سالمين غانمين، وأن يربط على قلوب أسرهم، وأن يتقبل شهداءنا في عليين ويعوض أسرهم خيراً في الدنيا والآخرة، وأن يديم على بلادنا أمنها وإيمانها واستقرارها، وأن يحفظ قيادتها وشعبها من كل سوء — إنه سميع مجيب.
الخلاصة: هذه السعودية... وهذا وطن
في كل ليلة تنام فيها مطمئناً، هناك من لم ينم لأجلك. وفي كل صباح يذهب فيه أطفالنا لمدارسهم بلا خوف، هناك أب على ثغرٍ بعيد لم يرَ أطفاله منذ شهور. وفي كل صفقة ومشروع وبيت جديد نكتب عنه في هذه المدونة، حجر أساس غير مرئي اسمه الأمن — وضعه بعد الله رجال لا يطلبون منا شيئاً... ولا نملك لهم إلا الدعاء والعرفان.
فمن مدونة رغدان وكل من يعمل عليها ويقرؤها: شكراً لجنودنا في كل ميدان، وشكراً لرجال أمننا في كل شارع، وشكراً لمسؤولينا وموظفينا الساهرين خلف كل إنجاز، ورحم الله شهداءنا الأبرار وأسكنهم فسيح جناته وعوض أسرهم خير العوض في الدنيا والآخرة. حفظ الله المملكة العربية السعودية قيادةً وشعباً وجنوداً، وأدام علينا نعمة الأمن والإيمان — هذه السعودية... وهذا وطن لا يُشكر حقه مهما كتبنا.
شارك هذا المقال — فأقل الوفاء أن تصل رسالة الشكر هذه إلى جندي على ثغر، أو أسرة شهيد، أو موظف ساهر ظن أن أحداً لا يراه. نحن نراكم... ونشكركم... وندعو لكم.






