تحويلات الأجانب من السعودية: 144 مليار ريال رسمياً و500 مليار في الظل... إلى أين تذهب ثروات المملكة؟

✍️ شركة رغدان القابضة 📅 ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥ 📖 9 دقائق قراءة
تحويلات الأجانب من السعودية: 144 مليار ريال رسمياً و500 مليار في الظل... إلى أين تذهب ثروات المملكة؟

تحليل شامل لتحويلات العمالة الوافدة من السعودية التي تجاوزت 144 مليار ريال سنوياً، بالإضافة إلى مئات المليارات عبر التستر التجاري واقتصاد الظل. يتناول المقال الآثار الاقتصادية والإجراءات الحكومية لمكافحة هذا الاستنزاف.

مقدمة: المملكة ثاني أكبر مصدر للتحويلات في العالم

تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث حجم التحويلات المالية للعمالة الأجنبية، وفقاً لبيانات البنك الدولي. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية عابرة، بل يعكس واقعاً اقتصادياً معقداً تتشابك فيه احتياجات التنمية مع تحديات الاستنزاف المالي، وتتقاطع فيه الأرقام الرسمية مع اقتصاد الظل الذي يُقدر بمئات المليارات.

في هذا التحليل الشامل، نكشف الأرقام الحقيقية للتحويلات النظامية وغير النظامية، ونستعرض آثارها الاقتصادية على المملكة، والإجراءات الحكومية للحد من هذا الاستنزاف، وما يعنيه ذلك لسوق العقارات والاقتصاد المحلي.

أولاً: التحويلات النظامية... أرقام البنك المركزي السعودي

إحصائيات 2024-2025

وفقاً لبيانات البنك المركزي السعودي (ساما)، بلغت تحويلات الأجانب المقيمين في المملكة خلال عام 2024 نحو 144.2 مليار ريال (38.4 مليار دولار)، مسجلةً ارتفاعاً بنسبة 14% مقارنة بعام 2023 الذي شهد تحويلات بقيمة 126.8 مليار ريال. وتُعد هذه القيمة الأعلى منذ عام 2021، ما يعكس النشاط الاقتصادي المتسارع وارتفاع أعداد العمالة الوافدة.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بلغت التحويلات 125.21 مليار ريال (33.4 مليار دولار)، بزيادة ملحوظة عن الفترة المماثلة من 2024. والأبرز هو أن شهر مارس 2025 وحده سجّل تحويلات بقيمة 15.5 مليار ريال، وهو أعلى رقم شهري منذ 9 سنوات، تحديداً منذ يونيو 2016.

التوزيع الشهري للتحويلات

يتراوح متوسط التحويلات الشهرية بين 12 و15 مليار ريال، مع ارتفاعات موسمية خلال فترات الأعياد وقبيل موسم الإجازات الصيفية. وقد سجّل شهر أكتوبر 2025 تحويلات بقيمة 13.7 مليار ريال، بزيادة 2% عن الفترة المماثلة من 2024.

تحويلات العمالة الوافدة من السعودية عبر البنوك والصرافات

ثانياً: حجم العمالة الوافدة... من يُحوّل هذه المليارات؟

الأرقام الرسمية

تُشير إحصائيات وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية إلى أن عدد العمالة الأجنبية في المملكة تجاوز 13 مليون عامل بنهاية 2024، يشكلون نحو 44% من إجمالي السكان. هذه النسبة تُعد من الأعلى عالمياً، وتعكس اعتماد الاقتصاد السعودي الكبير على العمالة الوافدة في مختلف القطاعات.

يرافق هؤلاء العمال أكثر من 2.2 مليون مرافق من الزوجات والأبناء، ليصل إجمالي المقيمين الأجانب إلى ما يقارب 15 مليون شخص.

توزيع العمالة حسب الجنسيات

تتصدر الجنسية الهندية قائمة العمالة الوافدة بنحو 2.5 مليون عامل، تليها الباكستانية والبنغلاديشية والمصرية والفلبينية. وتتركز هذه العمالة في قطاعات البناء والتشييد بنسبة 35%، وتجارة التجزئة والجملة بنسبة 25%، والخدمات المنزلية بنسبة 20%، والقطاعات الأخرى بنسبة 20%.

متوسط التحويل للفرد

بحساب بسيط، يبلغ متوسط تحويل الفرد الواحد من العمالة الوافدة نحو 11,000 ريال سنوياً عبر القنوات الرسمية، أي ما يقارب 900 ريال شهرياً. لكن هذا الرقم يتفاوت بشكل كبير حسب المهنة والراتب، إذ قد يصل لدى العمالة الماهرة وذوي الرواتب المرتفعة إلى أضعاف هذا المبلغ.

ثالثاً: اقتصاد الظل والتستر التجاري... الأرقام المخفية

ما هو التستر التجاري؟

يُعرّف نظام مكافحة التستر التجاري الصادر بمرسوم ملكي في 1442هـ (2020م) التستر بأنه تمكين شخص غير سعودي من ممارسة نشاط اقتصادي في المملكة غير مرخص له بممارسته، سواء عن طريق استعمال اسم المواطن أو ترخيصه أو سجله التجاري. ببساطة، هو أن يعمل الوافد لحسابه الخاص تحت غطاء سجل تجاري سعودي، مقابل مبلغ شهري زهيد يدفعه للمواطن المتستر.

التستر التجاري واقتصاد الظل في السعودية

حجم التستر التجاري

كشفت وزارة التجارة أن حجم التستر التجاري في المملكة يُقدر بين 300 و400 مليار ريال سنوياً في مختلف القطاعات، بينما تُشير تقديرات بعض الخبراء إلى أن الرقم قد يتجاوز 500 مليار ريال. هذه الأموال تُدار بالكامل من قبل عمالة وافدة، ويُحوّل الجزء الأكبر منها للخارج عبر قنوات غير رسمية.

وقد كشفت النيابة العامة السعودية في ديسمبر 2019 عن أكبر قضية تستر تجاري في تاريخ المملكة، حيث بلغت المبالغ المحولة للخارج 5 مليارات ريال عبر مواطن سعودي وثلاثة وافدين. كما ضُبطت عصابة في الرياض عام 2020 حوّلت أكثر من 500 مليون ريال للخارج خلال 8 أشهر فقط.

القطاعات الأكثر تستراً

وفقاً للإحصائيات الرسمية، تتركز أغلب حالات التستر في قطاع البناء والمقاولات بنسبة 40%، وتجارة التجزئة والمواد الاستهلاكية بنسبة 35%، والمهن الحرة والخدمات بنسبة 25%. وتتصدر الجنسيات الآسيوية (بنغلاديش، الهند، باكستان) قائمة العمالة المتورطة في التستر بنسبة 70%، تليها الجنسيات العربية (يمنية، مصرية، سورية).

طرق التحويل غير النظامية

تتنوع أساليب تحويل أموال التستر للخارج، وأبرزها: مكاتب الحوالات غير المرخصة المنتشرة في الأحياء الشعبية، الاعتمادات التجارية الوهمية لمشتريات وسلع غير حقيقية، التلاعب بفواتير الاستيراد برفع قيمتها الظاهرية، وتبادل العملات عبر شبكات غير رسمية.

رابعاً: الأثر الاقتصادي... استنزاف السيولة والموارد

نسبة التحويلات من الناتج المحلي

تُمثل تحويلات العمالة الوافدة الرسمية نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، وهي نسبة مرتفعة جداً مقارنة بالمعايير الدولية. فالولايات المتحدة التي تحتل المرتبة الأولى عالمياً في حجم التحويلات، لا تتجاوز نسبة تحويلاتها 0.3% من ناتجها القومي. وإذا أضفنا التحويلات غير النظامية المقدرة، قد تصل النسبة إلى 15-18% من الناتج المحلي.

الأثر الاقتصادي لتحويلات الأجانب على الاقتصاد السعودي

الآثار السلبية على الاقتصاد

يُحدث هذا الاستنزاف المالي عدة آثار سلبية على الاقتصاد الوطني. أولها استنزاف السيولة المحلية، إذ تخرج مئات المليارات سنوياً من الدورة الاقتصادية المحلية، ما يُقلل من القوة الشرائية ويُضعف الطلب المحلي. ثانيها زيادة معدلات البطالة، حيث يُفضي التستر التجاري إلى احتكار الوافدين لفرص العمل وتوظيف أبناء جلدتهم، ما يحرم السعوديين من هذه الفرص.

ومن الآثار أيضاً التهرب الضريبي وخسارة الزكاة، إذ لا تُسجل أنشطة التستر في السجلات الرسمية، وبالتالي تتهرب من الضرائب والزكاة والرسوم. كذلك تشويه المنافسة في السوق، حيث تُنافس أنشطة التستر المنشآت النظامية بأسعار أقل لعدم تحملها للتكاليف والرسوم النظامية. وأخيراً انتشار الغش التجاري، إذ لا تخضع هذه الأنشطة للرقابة، ما يؤدي لانتشار المنتجات المغشوشة والرديئة.

الأثر على سوق العقارات

يرتبط سوق العقارات ارتباطاً وثيقاً بهذه التحويلات. فمن جهة، يُشكل الوافدون شريحة كبيرة من المستأجرين في المملكة، وأي انخفاض في أعدادهم يؤثر مباشرة على الطلب الإيجاري. ومن جهة أخرى، فإن الأموال المحولة للخارج كان يمكن أن تُستثمر محلياً في شراء أو تأجير عقارات أفضل، ما يُنعش السوق العقاري ويرفع قيمه.

خامساً: الإجراءات الحكومية لمكافحة الاستنزاف

نظام مكافحة التستر التجاري الجديد

أصدرت المملكة نظام مكافحة التستر التجاري الجديد بموجب المرسوم الملكي رقم (م/4) بتاريخ 1442/1/1هـ، والذي تضمن عقوبات مشددة تشمل: السجن حتى 5 سنوات بدلاً من سنتين، غرامة مالية تصل إلى 5 ملايين ريال بدلاً من 2 مليون، مصادرة الأموال والأرباح غير المشروعة، إلغاء الترخيص وشطب السجل التجاري، إبعاد الوافد المدان ومنعه من الدخول للمملكة، ومنع المواطن المدان من ممارسة أي نشاط تجاري لمدة 5 سنوات. كما يُكافئ النظام المبلغين عن حالات التستر بنسبة تصل إلى 30% من الغرامة المحصلة.

المقابل المالي على العمالة الوافدة

بدأت السعودية منذ 2017 تطبيق رسوم على العمالة الوافدة والمرافقين، حيث يدفع المرافق 400 ريال شهرياً (4,800 ريال سنوياً). أما رسوم العامل الوافد فتتراوح بين 700 و800 ريال شهرياً حسب نسبة التوطين في المنشأة. تهدف هذه الرسوم إلى تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية وتشجيع توظيف السعوديين.

الإجراءات الحكومية السعودية لمكافحة التستر التجاري

برامج التوطين (نطاقات)

أطلقت وزارة الموارد البشرية برنامج نطاقات المطور الذي يُلزم المنشآت بنسب محددة من التوطين، ويُقصر بعض المهن على السعوديين حصرياً. وقد أسهم البرنامج في مغادرة أكثر من 2.2 مليون وافد للقطاع الخاص السعودي بين 2017 و2021.

إلغاء المقابل المالي للمنشآت الصناعية

في ديسمبر 2025، أعلن مجلس الوزراء إلغاء المقابل المالي على العمالة الوافدة في المنشآت الصناعية المرخصة، في خطوة تهدف لتعزيز تنافسية الصناعة السعودية. هذا القرار يعكس التوازن الذي تسعى إليه المملكة بين جذب الاستثمارات والحد من الاستنزاف المالي.

سادساً: الوجه الآخر... التحويلات كمؤشر اقتصادي إيجابي

انعكاس لقوة الاقتصاد

يرى بعض الاقتصاديين أن ارتفاع تحويلات الوافدين ليس بالضرورة مؤشراً سلبياً، بل قد يعكس قوة الاقتصاد السعودي وجاذبيته للعمالة. فكل زيادة في التحويلات تعني وجود حركة اقتصادية حقيقية، ومشاريع قائمة، وأجور تُدفع، ما يدل على نشاط يُبنى على أرض المملكة.

دور العمالة في التنمية

لا يمكن إنكار الدور الحيوي للعمالة الوافدة في تنفيذ المشاريع الكبرى ضمن رؤية 2030، من نيوم إلى القدية إلى مشروع البحر الأحمر. هذه المشاريع تحتاج لملايين العمال المهرة الذين لا تتوفر أعدادهم الكافية محلياً حالياً.

سابعاً: الحلول المقترحة للحد من الاستنزاف

تشجيع استثمار الوافدين محلياً

بدلاً من تحويل مدخراتهم للخارج، يمكن تشجيع الوافدين على استثمار جزء من أموالهم في السعودية عبر صناديق استثمارية مخصصة، تسهيل الاستثمار في أسواق الأسهم، إتاحة تملك العقارات للوافدين في مناطق محددة، وتقديم حوافز ضريبية للمستثمرين منهم.

تعزيز الرقابة على التحويلات

يمكن ربط تحويلات كل وافد براتبه المسجل في التأمينات الاجتماعية، فإذا تجاوزت تحويلاته دخله المعلن، يُحقق في مصدر هذه الأموال. هذا الإجراء البسيط قد يكشف الكثير من حالات التستر.

تسريع التوطين النوعي

التركيز على توطين الوظائف ذات القيمة العالية والرواتب المرتفعة، بدلاً من التوطين الكمي الذي قد يُنتج بطالة مقنعة. السعودي الذي يشغل وظيفة براتب 15,000 ريال أفضل للاقتصاد من ثلاثة سعوديين برواتب 4,000 ريال في وظائف هامشية.

الخلاصة

تُمثل تحويلات العمالة الوافدة من السعودية ظاهرة مُركبة تجمع بين الضرورة الاقتصادية والاستنزاف المالي. فمن جهة، تحتاج المملكة لملايين العمال لتنفيذ مشاريعها الطموحة. ومن جهة أخرى، تخرج مئات المليارات سنوياً من الاقتصاد المحلي، جزء كبير منها عبر قنوات غير نظامية.

الحل لا يكمن في إغلاق الباب أمام العمالة الوافدة، بل في تنظيم وجودها، ومكافحة التستر بحزم، وتشجيع استثمار مدخراتها محلياً، وتسريع التوطين النوعي للوظائف. وقد خطت المملكة خطوات جادة في هذا الاتجاه عبر نظام مكافحة التستر الجديد وبرامج التوطين، لكن الطريق لا يزال طويلاً للوصول إلى التوازن المطلوب بين متطلبات التنمية والحفاظ على الثروة الوطنية.